في ركن قديم من ذاكرة كل عائلة، توجد تلك “الجدة الأسطورية” التي أنجبت اثني عشر ولداً وبنتاً، كانت تخبز وتعجن، تحمل جِرار الماء، وتدير شؤون بيتها وقريتها بصلابة لا تلين، حتى بلغت الثمانين وهي تمشي مستقيمة الظهر. وفي المقابل، نجد جيل اليوم الذي وفرت له التكنولوجيا كل سبل الراحة؛ “غسالة” بلمسة زر، “دليفري” بضغطة إصبع، وسيارات تنقلنا حتى باب الوجهة.. ولكن، لماذا نجد الأم الشابة اليوم تعاني من الإرهاق القاتل عند طفلها الثاني؟ ولماذا تشتكي أجسادنا من “عجز المبكر” رغم أننا لا نبذل ربع مجهودهم؟

معادلة القوة المفقودة
المشكلة ليست في التكنولوجيا كاختراع، بل في “الاستخدام أحادي الاتجاه”. لقد استخدمنا التكنولوجيا لنشتري “الراحة الجسدية”، لكننا لم نستخدم الوقت والمجهود الموفرين لنبني “البنية الجسدية”.
في الماضي، كان العمل اليومي الشاق بمثابة “نظام رياضي متكامل”. حركة العجن، غسيل الملابس يدوياً، والمشي لمسافات طويلة، كانت تبني عضلات قوية، عظاماً كثيفة، وقلباً رياضياً دون الحاجة لـ “جيم”. أما اليوم، فقد عزلنا أنفسنا في “فقاعة من الخمول”، وعندما نطلب من أجسادنا القيام بمهمة فطرية كالحمل والولادة، نجدها تنهار لأن “المحرك” الصدأ لا يقوى على الحمل.
التكنولوجيا كـ “مخدر” لا كـ “محفز”
حين تمنحنا الآلة “ساعتين” من الفراغ كانت تضيع في غسيل الأطباق أو التنظيف، فنحن نقضي هاتين الساعتين في تصفح الهاتف (مزيد من الخمول). هنا تصبح التكنولوجيا “عرجاء”؛ فهي أخذت منك الحركة ولم تمنحك في المقابل ما يطور جسدك أو عقلك.
الضريبة التي ندفعها
إن الاعتماد الجزئي على التكنولوجيا حوّل أجسادنا إلى “نسخ هشة”. فالسيدة التي كانت تلد وتخرج للعمل في الحقل في اليوم التالي، لم تكن خارقة للطبيعة، بل كانت تعيش في “تناغم مع الطبيعة”. أما نحن، فقد فقدنا “اللياقة التشغيلية”، فأصبح الحمل عبئاً طبياً، والمشي مجهوداً شاقاً، والجلوس الصحيح رفاهية منسية.
الخلاصة: التكنولوجيا وُجدت لخدمتنا، لا لتجعلنا عاجزين. إذا أخذتَ من الآلة راحتك، يجب أن تعطي لجسدك حقه من الحركة بوعي، وإلا سنصبح جيلاً يملك كل الأدوات، لكنه لا يملك “الجسد” الذي يستطيع الاستمتاع بها.
